نار
غداً أو بعد غد يمارس الناس سواءتك التي ينهونك عنها!! برناردشو

:: عابدات باخوس على قمم السروات!!

عابدات باخوس قامت رؤيتها على الشمولية وليست على المجون فديونوسوس ذا روح حية متدفقة تصب في كل كائن حي ولا تقوم على اله الخمر باخوس فقط رغم " إن النبيذ عنصر مساعد لإكتمال هذه الصورة، كما أن النبيذ يظهر شاربه على طبيعته، ويجعله قريباً كل القرب إلى الصدق، وعن طريقه يتوحد الإنسان مع الإله.." ( على فكرة لست من أهل النبيذ إلا ما انتبذ)

دعوني لوحدي أتخيل الباخيات، وأرجوكم لا تتخيلوا معي، لسببين اثنين أولهما: أنني مبتدئ في الرقص. وثانيهما: أنني لم أتخيل وأنا في جدة أن أتعلم الرقص عبر بعض الباخيات، والباخيات هؤلاء لسن يونانيات جاءوا عبر الإرث ليعلموني في هذه المدينة التي تسير فيها ولا تشعر بما يجري حولك، أو  تسير فيها وأنت ترى الفلل أو القصور والأسوار من حولها تبلغ عنان السماء، وتسعى من خلال قراءتك لهكذا أعمال إغريقية أن تتخيل الرخام داخل هذه القصور، وأن تفكر في ارتفاع البهو واتساعه، وهل أعمدتها منقوشة بالذهب أم أن هناك أنواع أخرى من الجواهر الثمينة لا تصل إليها مخيلتك؟

أود أن أرقص لوحدي كصاحب كازنتزاكي "زوربا" ـ الله عليه ـ ، أرغب والرغبة تتصل بالذات مباشرة، وبالتالي ترتبط بالعاطفة وتنفي العقل، ونبيذ باخوس جعل العقل في الإنسان ـ انتبهوا لهذه النقطة فهي خطيرة ولم يذهب إليها ناقد ولا قاريء في العالم ـ هنا هو الكاذب، أو هو الذي يدعونا إلى الكذب، بينما العاطفة تدعونا إلى الصدق. ا.هـ ( يعني انتهيت من فلسفتي )

أرغب في أن اذهب إلى جبل على قمم السراة وأرقص هناك وحدي، ولكن رغبتي هذه أيضاً أوقفتها القصور على قمم الجبال، يا الله اتركوا لنا " شوية " من الليل نستطيع من خلاله الإنفراد بأنفسنا في كل مكان ترسلون لنا أضواء قصوركم وفللكم، وتذهبون بنا نحو المدنية، دعونا نعود أولئك القرويين الذين نستكن بضوء القمر ونعبق من أنفاس الليل، ونزهو على أصوات الطبيعة. لن نتحول إلى ذئاب مع بزوغ منتصف الشهر، ولن نتحول إلى اسود شرسة مع دخول الليل .

يا الله..حتى الظلام سرقتموه منا و"حسدتونا" عليه، إنني أعجب من هذه النظرة نحو الظلام، وكيف نُحسد عليه؟! أعتقد هنا ـ وعند الله العلم ـ أنهم لم يتركوا لنا الظلام وأخذوه هم منا من أجل أن نرى ما يفعلون وأن نسعى إلى محاكاتهم وبالتالي ننغمس معهم ونترك لحظات التأمل ونبتعد عنها.. حتى لا نكتشف حقيقة هذا النور! أو حتى نصبح كالفراشات كلما اصطدمت بالضوء.

ربما أنا كالفراشة ـ في هذه اللحظة ـ لأنني أبحث عن ليل ولا أريد أن اصطدم بالضوء حتى لا أموت، الفراشة ليست غبية لكنها ذكية وتنظر إلى هذا الضوء على أنه شيء من واقع حياتها الذي يبهرها فتشعر بعدها بأنه لا قيمة لهذه الحياة فتنتحر!

تيريساس ( العراف في تراجيديا عابدات باخوس) يتفلسف رغم أنه ينفي ذلك:

ـ إننا لا نمنطق ما يختص بالآلهة

فتقاليد آبائنا، التي ورثناها، والتي تضارع الزمن

في القدم، لا يستطيع أي منطق أن يطوحها

رغم أن الحكمة أوجدتها عقول مفكرة...

لكن كادموس ( والد سميلي التي ولدت الإله ديونوسوس) يرد عليه:

ـ طالما أنك لا ترى هذا الضوء

فسوف أكون دليلك في تنفيذ ما تقول.

كادموس غبي لأنه يقول " طالما أنك لا ترى الضوء.." كان يعتقد أنني على قمم الأولمب بينما أنا هنا على قمم السروات، ولا أبحث إلا عن رقصة تجدد لي نشاطي الذي فتر على مر السنين.

يا غبي يا كادموس أريد أن أرقص فقط حتى لو وسط ضباب جبال السروات، أقبل أن تكون القساوة من الطبيعة وأتقبلها بصدر رحب، ولكني لا أقبل أن تأتي هذه القساوة من البشر، حتى أنا في النهاية بشر مثلي مثلهم.

ليس مثل باخوس أو زيوس أو ديونوسوس فهم آلهة في الأرض ونحن عبيد، وزيوس من حقه أن يأخذ الليل مني وليس من حقي أن أصرخ إنني اريد أن أرقص، لأنني متى ما صرخت وعبرت عن حقي في الحرية، وفي أن أعيش حياتي على الطبيعة فقد يرسل عليّ زيوس صاعقة تنهي حياتي.. يا لهذا الوضع السيئ الذي وضعت نفسي فيه.

عابدات باخوس ثمينات جداً لدى يوربيديس فهو عبرهن يريد إيصال رسالة تعبر عن قوة الآلهة، والإزدواجية في ديونوسوس تكمن في أنه ليس هو باخوس ( اله الخمر) بل في إنه يمثل كل التيارات الجارفة المبهمة العنيفة التي تعلو وتهبط وتروح وتجيء في حياة الطبيعة. ومن هنا فإن الباخيات كن يرقصن بلذة بألم بحسرة وسط الأعاصير، لكنني لا أرقص رقصة ( الزار ) مثلهن، ولا أريد ذلك فكوني تعلمت الرقص حديثاً فلا يعني أن هناك إرادة لتجاوز الحقول المغناطيسية المحاطة بي، بل بي رغبة في أن يكون رقصي في هذه الحدود.

لقد مر في خاطري الآن ـ وهي فكرة ترتبط لدى بعض الشعوب بالقمر والرقص، لا أذكرها لكنني قرأت عنها ـ ذكروني ـ هنا أو هناك ـ  ( أمل دنقل ) وهو يعلن الخبر الأليم، وكأنه يقول حل الظلام، وانظروا إلى النتيجة العكسية، فرغم أضواء المدنية إلا أنه أعلن عن " مقتل القمر": 

وتناقلوا النبأ الأليم على بريد الشمس

في كل مدينةٍ ،

"قُتِل القمـــر"!

شهدوه مصلوباً تَدَلَّى رأسه فوق الشجر !

نهب اللصوص قلادة الماس الثمينة من صدره!

تركوه في الأعواد ،

كالأسطورة السوداء في عيني ضرير

كنت سأورد لكم من القصيدة ما يفيدني في هذا التداعي، ولكنني عدت إليها فوجدتني أضم صوتي إلى صوته حين يقول ، مع القص الذي نجيده والتجاوز:

تقول جارتنا الصبية :

"كان يعجبه غنائي في المساء

وكان يهديني قوارير العطور

فبأي ذنب يقتلونه ؟

هل شاهدوه عند نافذتي _قبيل الفجر _ يصغي للغناء!؟

وخرجت من باب المدينة

للريف:

يا أبناء قريتنا أبوكم مات

قد قتلته أبناء المدينة

ذرفوا عليه دموع أخوة يوسف

وتفرَّقوا

تركوه فوق شوارع الإسفلت والدم والضغينة

يا أخوتي : هذا أبوكم مات !

قالوا : كفاك ، اصمت

فإنك لست تدري ما تقول !

قلت : الحقيقة ما أقول

قالوا : انتظر

لم تبق إلا بضع ساعات...

ويأتي!

حط المساء

وأطل من فوقي القمر

متألق البسمات ، ماسىّ النظر

- يا إخوتي هذا أبوكم ما يزال هنا

فمن هو ذلك المُلْقىَ على أرض المدينة ؟

قالوا: غريب

ظنه الناس القمر

قتلوه ، ثم بكوا عليه

ورددوا "قُتِل القمر"

لكن أبونا لا يموت

أبداً أبونا لا يموت !

لا أعلم لماذا جالت في خاطري هذه القصيدة، ولعل مرجع ذلك يعود إلى أنني لم أعد أرى القمر وأنا أعيش في جدة، بل حتى عندما ذهبت إلى قمم السروات لم أستطع رؤية القمر، فشعرت فعلاً أنهم قتلوه، ولم ينتحر مثل الفراشة، ليصبح لا معنى ولا قيمة لهذا التصدي من أهل القرية.. لأنهم يثقون أن أبوهم لم يموت!!

 

 

 

 

(6) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 13 جمادى الثانية, 1429 01:29 م , من قبل mafhm
من سوريا

للمرة الثانيه اقرأ ولا اجد تعبير يستاهل التعليق
انحنية وصفقت وخرجت
كن بخير


اضيف في 13 جمادى الثانية, 1429 02:14 م , من قبل moghamed
من المملكة العربية السعودية

عزيزي حامل المسك:
أشكر لك هذه الوقفة.
ودمت بخير


اضيف في 03 رجب, 1429 04:30 م , من قبل ajiihak
من المغرب

..حتى الظلام سرقتموه منا و"حسدتونا" عليه، إنني أعجب من هذه النظرة نحو الظلام، وكيف نُحسد عليه؟! أعتقد هنا ـ وعند الله العلم ـ أنهم لم يتركوا لنا الظلام وأخذوه هم منا من أجل أن نرى ما يفعلون وأن نسعى إلى محاكاتهم وبالتالي ننغمس معهم ونترك لحظات التأمل ونبتعد عنها.. حتى لا نكتشف حقيقة هذا النور! أو حتى نصبح كالفراشات كلما اصطدمت بالضوء
////////////////////////////////////
رهيب ..أنت رهيييييييييييييييييييييب


اضيف في 03 رجب, 1429 05:02 م , من قبل moghamed
من المملكة العربية السعودية

شكراً لك هذا الحضور
ودمت بصحة وخير


اضيف في 02 شعبان, 1429 07:29 م , من قبل omaema
من مصر

"قُتِل القمـــر"!

شهدوه مصلوباً تَدَلَّى رأسه فوق الشجر !

نهب اللصوص قلادة الماس الثمينة من صدره!

تركوه في الأعواد ،

كالأسطورة السوداء في عيني ضرير

************************
اخى الكريم..لا املك حيال هذه الروعه سوى ان ارفع القبعة احتراماوتقديرا واعجابا..فقد نقلتنى كلماتك الى عالما اسطوريا اشتاق اليه من زمن طويل ...دمت متميزا..دمت فى عناية الرحمن


اضيف في 03 شعبان, 1429 12:04 م , من قبل moghamed
من المملكة العربية السعودية

عزيزتي أميمه
هل سنصبح أساطير ذات يوم؟
قد يكون..
شكراً لهذه النظرة منك..
ودمت بخير




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


test

أرحب بكم عبر هذا التجريب، وأعدكم أنه لن يطول.