***
الحقبة التي أنتجت أدباً ثلاثياً ان صحت التسمية هي منتصف الثمانينات وفيها انطلقت موجة الحداثة لنلحظ تعاضدية ثلاثية لم تكن مسبوقة حيث النقد انطلق بوجه آخر مع «الخطيئة والتكفير» للدكتور عبدالله الغذامي ليواكبه في السياق الدكتور معجب الزهراني والدكتور سعد البازعي وإن كان له حضوره من قبلهما في الساحة هو والدكتور منصور الحازمي، والدكتور عبدالله المعيقل، وسعيد السريحي وميجان الرويلي، والدكتور عالي القرشي.. الخ. هذه المؤسسة النقدية الجديدة سبقها الحضور الشعري بقليل عبر محمد العلي أولاً ثم سعد الحميدين (أول ديوان تفعيلي)، ومحمد الحساني، الذي يرى أنه أول من كتب شعر التفعيلة، وعلي الدميني ومحمد جبر الحربي ومحمد الثبيتي وعبدالله الصيخان والدكتورة ثريا العريض وفوزية أبو خالد، ليواكبها الحضور الجديد لقصيدة النثر عبر أحمد الملا وغسان الخنيزي وإبراهيم الحسين وعلي العمري ومحمد الحربي ليس جبراً ومحمد الدميني وهدى الدغفق وأحمد كتوعة، وغيرهم. هذا السياق الشعري واكبه أيضاً حضور في القصة القصيرة وهذا الحضور كان أنثوياً عبر بدرية البشر ورجاء عالم ونورة الغامدي وأميمة الخميس وليلى الأحيدب ونورة الشملان وغيرهن. بغض النظر عن الحضور السابق الذي كان فاعلاً أكثر من الشعر لحسين علي حسين ومحمد علوان وصالح الأشقر وعبدالله باخشوين ومحمد علي قدس ومحمد الشقحاء..الخ.
لنلحظ أن حركة الشعر كانت طاغية من الباب الذكوري فقط بينما القص تحركت فيه أسماء نسائية واضحة. بل ظهرت بعد الأسماء السابقة شعرياً أسماء جديدة مسفر الغامدي، عيد الخميسي، محمد حبيبي، خالد مصطفى، عبدالرحمن الشهري، إبراهيم الوافي.. الخ. وأيضاً تحرك النقد ليظهر جيل جديد علي الشدوي، محمد العباس، حسين بافقيه، محمد الحرز، محمد الدبيسي، معجب العدواني الذين خرجوا من عباءة حركة لنقد التي سبقتهم منذ موجة الحداثة.
ليظهر أمامنا المشهد بكامله في الرواية حيث شقة الحرية للقصيبي والعدامة للحمد وغيمة الدميني الرصاصية، لتتوالى الأعمال الروائية من الكتاب بعد ذلك رجاء عالم (من قبل)، عبده خال، يوسف المحيميد، عبدالله التعزي عبدالحفيظ الشمري، عواض العصيمي، محمود تراوري، أحمد الشويخات، فهد العتيق، أحمد أبو دهمان وغيرهم.
والعجيب أن التسعينات من القرن الماضي كان معظم كتابها من جيل السبيعينات، أي أنهم أهل حنكة وخبرة على المستوى الكتابي وعلى مستوى التجربة الحياتية، يجاورهم في ذلك كتاب القصة كالدويحي وخال والعتيق..الخ، أو كُتّاب الشعر كالدميني والقصيبي اللذين يتساويان في الحقبة الثقافية التي عاشاها.
***
انشق القرن الجديد بعلامات لم تكن على البال حيث ان الرواية النسائية بدأت تحيك خيوطها وتظهر فبعد التسابق الروائي بين الذكور انطلقت الروايات تتلى سواء من رجاء عالم أو زينب حفني أو نورة الغامدي، لتكون (الفردوس اليباب) لليلى الجهني هي المفتتح لروايات «القهر الأنثوي»، لكن الجيل الجديد من الكاتبات يرسم من ليلى الجهني في رأيي. لتأتي «بنات الرياض» و«القران المقدس» و«ملامح» و«الآخرون» للكاتبات رجاء الصانع وطيف الحلاج وصبا الحرز وأخيراً «النهر الثالث» لنسرين غندورة 11/2006م.
هذا التقارب الذهني والمكاني والزماني في الروايات الأنثوية، يعيدنا إلى بداية هذه الرؤية حيث الخط يتضح هنا أن الرواية كأنها ترسم لدينا عالمها في اتجاه المشاهير والاتجاه الأنثوي، وهي إما أن تحمل فضائح المشاهير وأسرارهم عبر إسقاطاتهم أو أنها تحمل أسرار الجزء الغامض في حياة المرأة السعودية أما ما يأتي بينهما فلا وجود له في الحركة النقدية السعودية وحتى في حركة الصحافة اليومية أو الأسبوعية التي تتجه نحو حركة الأدب. لتبرز الاشكالية الكبرى وهي إشكالية ضياع كتاب الشعر في أدبنا لا لعدم فاعليتهم أو لعدم حرفيتهم بل لعدم التفات المجتمع لما هو أكثر تقنيناً.
***
الاشكالية الظاهرة هنا هي إشكالية (متلقي) وليست إشكالية (صحافة)، فالصحافة تسعى إلى إيجاد منفذ لها عبر هذه الدروب وتنظر إلى الأدب والمجتمع بعين واحدة، وهي جزء من المجتمع الذي يحتاج برمته إلى رؤية مغايرة، والرؤية المغايرة قد تأتي من الرواية.
ولعل الشعر يكتب نهايته بعد تحول كتابته إلى الرواية، وقلم الشعر قد يختفي على الرغم من أن الغالب يقول لا يمكن للشعر أن يفقد بريقه، وأن الرواية لن تستطيع إلغاءه والدلائل تشير إلى التحول نحو الديوان الجديد للعرب وهو الرواية.. ومعذرة أيها الشعراء فلا مكان لكم!!.
الثلاثاء, 05 محرم, 1428
كنت قبل خمس عشرة سنة، أتحدث مع الأصدقاء سواء في الصحافة أو في المشهد الثقافي، عن عدم وجود كاتب للرواية، بغض النظر عن المشري رحمه الله، لينطلق الثلاثي الصديق عبده خال وغازي القصيبي وعلي الدميني ويلهمون الكثيرين والكثيرات في هذا المجال، وكأنهم قالوا لهم لا تتهيبوا من كتابة الرواية فهي ديوان العرب الجديد وستكون أصداؤها أفضل من أصداء الشعر. والحقيقة أنه يمر على الساحة الثقافية العديد من الكتاب والكاتبات في مجال الشعر ومع ذلك لا تكاد ترى سوى أصداء الغبار منها في الصحافة، دون أن يأخذ ديوان العرب الحقيقي حقه من الصحافة أو النقد، وذلك لكون الرواة الجدد سيطروا على الساحة الثقافية، واكتسحوا الأخضر واليابس فيها. لكن الملاحظ في هذا الجانب هو أن السيطرة اتجهت نحو فئتين أفسدتا على الشعراء فرحتهم بشعرهم واعتقادهم أن المجتمع ما زال يتغنى بما يقولونه، وهما: فئة الطبقة الراقية والمشهورة قبل أن تكتب الرواية ومنهم غازي القصيبي وتركي الحمد وعبده خال وعلي الدميني، وفئة غير معروفة على الإطلاق ولم يكن لها صيت انحازت لها الصحافة بحكم التوجه العام نحوها وهي فئة النصف الآخر ( الأنثى)، وكأن الصحافة هنا فرقت بين الكتابة وبين النوع الذي يكتبها، وحتمياً يجب التفريق فمن المستحيل أن أضع تجربة عبده خال مع كاتب آخر لأول مرة يكتب ودون أن يمتلك أدواته، ولكن العجيب في الأمر أن هذا المقياس كان باتجاه الرجل فقط دون الأنثى، حيث ان أية أنثى تكتب رواية تتجه نحوها أعين الصحفيين وكأنها حصلت على جائزة نوبل أو أتت بما لم يستطع الإتيان به نيوتن، ودون أن تفرق بين الغث والسمين، المهم أن من كتب هذه الرواية هي امرأة، وكأننا بهذا سنحرر المرأة، رغم علمنا أن المرأة لا تحتاج إلى تحرير بل المجتمع برمته من يحتاج إلى تحرير في أفكاره.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا الموضوع نشر بصحيفة عكاظ يوم الخميس الماض وهنا الرابط
أضف تعليقا
اضيف في 07 محرم, 1428 09:17 ص , من قبل moghamed
للحقيقة أيتها الغالية أنني كتبت أننا سنترك الكتابة في مدوناتنا لنتابع ما تكتبين، ولكنك تأبين ذلك، وتسعين إلى مد أغصان الزيتون في كل مكان، وثقي أنني معك قلباً وقالباً.
وشكراً لك.
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية










من فلسطين
أخي الغالي أبو رهف ..
شكرا لك علي هذا المقال الرائع .. الرائع جدا .. قرأت أيضا ما بين السطور فما كان مني الا أن تشجعت وانعكفت علي دفتري بيدي المرتجفة لأمسك قلمي و أنا أراك تطلب مني الأنتباه جيدا لكل كلمة ستكتب ..غيرت وبدلت كلمات كثيرة جدا كان كل همي أن تقرأ ما كتبت لتخبرني هل أطمئن علي لغتي العربية .. مقدرتي علي اختيار الحروف .. حين أنظر للغة بمجدها وعلوها وارتقائها لا أجدها الا عند أبو رهف .. أرجو منك أن تظل بجانبي .. شعرت بأني قد دخلت بحرا متلاطم الأمواج ليس مطلوب مني سوي السباحة فقط ..اني أخشي العوم ..لا أجيده ..
لكنها تجربة ان نجحت سأفتخر أني تلميذة أبو رهف وان فشلت سأنسحب بهدوء ..
دمت لي يا غالي ودام تشجيعك لي هذا من دواعي فخري وسروري ..
بوركت وبوركت جهودك الطيبة
أتمني لك كل التوفيق والخير والسعادة ..